الجصاص
330
أحكام القرآن
ذكر اختلاف الفقهاء في الصلاة في حال القتال قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر : " لا يصلى في حال القتال ، فإن قاتل في الصلاة فسدت صلاته " . وقال مالك والثوري : " يصلي إيماء إذا لم يقدر على الركوع والسجود " . وقال الحسن بن صالح : " إذا لم يقدر على الركوع من القتال كبر بدل كل ركعة تكبيرة " . وقال الشافعي : " لا بأس بأن يضرب في الصلاة الضربة ويطعن الطعنة ، فإن تابع الطعن والضرب أو عمل عملا يطول بطلت صلاته " . قال أبو بكر : الدليل على أن القتال يبطل الصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى صلاة الخوف في مواضع على ما قدمنا ذكره ، ولم يصل يوم الخندق أربع صلوات حتى كان هوى من الليل ، ثم قال : " ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى " ثم قضاهن على الترتيب . فأخبر أن القتال شغله عن الصلاة ، ولو كانت الصلاة جائزة في حال القتال لما تركها كما لم يتركها في حال الخوف في غير قتال . وقد كانت الصلاة مفروضة في حال الخوف قبل الخندق ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذات الرقاع صلاة الخوف ، وقد ذكر محمد بن إسحاق والواقدي أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق ، فثبت بذلك أن القتال ينافي الصلاة وأن الصلاة لا تصح معه . وأيضا فلما كان القتال فعلا ينافي الصلاة لا تصح معه في غير الخوف ، كان حكمه في الخوف كهو في غيره ، مثل الحدث والكلام والأكل والشرب وسائر الأفعال المنافية للصلاة ، وإنما أبيح له المشي فيها لأن المشي لا ينافي الصلاة في كل حال على ما بيناه فيما سلف ، ولأنهم متفقون على أن المشي لا يفسدها ، فسلمناه للإجماع ، وما عداه من الأفعال المنافية للصلاة فهو محمول على أصله . وقوله تعالى : ( فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ) يحتمل أن يكون المأمورون بأخذ السلاح الطائفة التي مع الإمام ، ويحتمل أن تكون الطائفة التي بإزاء العدو ، لأن في الآية ضميرا للطائفة التي بإزاء العدو ، وضميرها ظاهر في نسق الآية في قوله : ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ) . ومن وجه آخر يدل على ما ذكرنا ، وهو أنه أمر الطائفة المصلية مع الإمام بأخذ السلاح ، ولم يقل فليأخذوا حذرهم ، لأن في وجه العدو طائفة غير مصلية حامية لها قد كفت هذه أخذ الحذر ، ثم قال تعالى : ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) وفي ذلك دليل من وجهين على أن قوله : ( فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ) إنما أريد